منير سلطان

216

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

ومهما أحكمنا إغلاق دائرة الاعتزال على مبدأ الصرفة وجعلناه نبعا من صميم عقائدهم ، فلا مشاحة في أنه مزود بقدر يجعله إلى الجبر أقرب . فالطامعون مصرفون كرها عن أن يعبثوا بمقدسات المسلمين ولكنهم أرادوا - أن يحاولوا - وهذا مسيلمة قد حاول وغيره قد حاول ، فلما ذا لم تستمر هذه المحاولات وتنضج فتقدم شيئا ؟ إلى هنا . نجيب بأنهم أرادوا فصرف اللّه أوهامهم . ولكن القاضي عبد الجبار يعطى للقضية عمقا أعمق ، وفهما أنضج ، ويفتح لها بابا يتصل بقدرة الانسان وبإرادته ثم بعقله وبمنطقه يقول « إنا نقول - أن دواعيهم انصرفت عن المعارضة ، لعلمهم بأنها غير ممكنة ، على ما دللنا عليه ، ولولا علمهم بذلك لم تكن لتنصرف دواعيهم ، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعا لمعرفتهم بأنها متعذرة » « 1 » . ثم يقول « واعلم . . . أن أحدّ ما يتبين به عظم شأن القرآن في الأعجاز : أنه لا وجه يطعن به الملحدة ، وسائر من خالف في نبوة ( محمد ) صلّى اللّه عليه وسلم ، إلا وهو غير قادح في كونه معجزا ، بل يكشف عن وجه من وجوه الإعجاز ، لو صحت مطاعنهم - ويتميز بذلك من سائر المعجزات لأن وجوه القدح فيها لا تتضمن - أن صحت - كونه معجزا » « 2 » . وبهذا الرأي الذي أولاه القاضي اهتماما - تحولت الأنظار عن الصّرفة وعن المناقشات في تفريعها وتشقيقها ، وانغلق باب القول فيها ، وذلك بأن المعارض حتى وإن موّه على نفسه وجرب حظه في الطعن فلن يفلح في طمس دعوى الأعجاز وفشله ثابت باستدلال العقل وتجارب الأولين . ثانيا : النظم والفصاحة عند المعتزلة : سئل الرماني : لكل كتاب ترجمة فما ترجمة كتاب اللّه عز وجل فقال : « هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ » « 3 » [ إبراهيم - 52 ] . والمعتزلة حين ناقشوا الجانب البلاغي في القرآن ، وجدنا الفراء ينادى بأن

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 324 . ( 2 ) نفس المصدر - 336 . ( 3 ) الحموي - معجم الأدباء - 14 / 76 .